شبهة: إثبات الصفات على الحقيقة تشبيه
    
الجمعة 27 / ذو الحجة / 1431 هـ - الموافق 3 / ديسمبر / 2010 م

هل إثبات الصفات على الحقيقة تشبيه ؟



إعداد: أم عبد الله الميساوي
لـ« موقع عقيدة السلف الصالح »




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد

سيكون جواب هذا السؤال في عدة نقاط:


1. إثبات الصفات على الحقيقة – لا المجاز – لا يلزم منه التشبيه، فكما لم يلزم من إثبات ذاتٍ حقيقية، وحياة حقيقية، وعلم حقيقي، تشبيه؛ فإنه لا يلزم التشبيه من إثبات باقي الصفات الثابتة في القرآن والسنة على الحقيقة؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحذو حذوه.

قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ) :
«قال أهل السنة: نَصِف الله بما وَصَف به نفسه، ونؤمن بذلك إذ كان طريق الشرع الاتباع لا الابتداع، مع تحقيقنا أن صفاته لا يشبهها صفات، وذاته لا يشبهها ذات، وقد نفى الله تعالى عن نفسه التشبيه بقوله : {ليس كمثله شيء} فمن شبه الله بخلقه فقد كفر؛ وأثبت لنفسه صفات فقال {وهو السميع البصير}. وليس في إثبات الصفات ما يُفضي إلى التشبيه، كما أنه ليس في إثبات الذات ما يفضي إلى التشبيه، وفي قوله : {ليس كمثله شيْءٌ} دليل على أنه ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات.) (1)



2. لو كان إثباتها حقيقةً تشبيهًا، لكان النبي صلى الله عليه وسلم أول المشبّهين بفعله، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ”آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكْبُو مرة، وتسفَعُه النار مرة» إلى أن قال -صلى الله عليه وسلم-: ”ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأُوليَيْن، فيقول: أي رب، أدنِني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب، هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمِع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم، ما يَصْريني منك؟ أيُرضيك أن أعطيك الدنيا، ومثلها معها؟ قال: "يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟" “ فضحك ابن مسعود فقال: «ألا تسألوني ممّ أضحك؟» فقالوا: "مم تضحك؟" قال: «هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقالوا: "ممّ تضحك يا رسول الله؟" قال: ”من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر“. [صحيح مسلم وغيره]
ومقصود النبي صلى الله عليه وسلم من فعله هو تأكيد أن ضحك الله عز وجل حقيقي وليس أن ضحك الله عز وجل كضحكه صلى الله عليه وسلم، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يشبه صفات الله عز وجل والله يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى : 11]؛ فهذا دليل على أن إثبات الصفات على الحقيقة ليس بتشبيه.
وانظر هذا المقال [رابط] لمزيدٍ من الأمثلةِ المشابهةِ لهذا الحديث.



3. ما يلزم في المخلوق لا يلزم في الخالق، فالقول بأن إثبات صفة اليد أو العين يلزم منه أنها عضو أو جارحة، باطل؛ لأن صفة الله هي الأصل، فالله متصف بصفة اليد(2) منذ الأزل قبل وجود أيدي المخلوقات، وأيدي المخلوقات محدثة، خلقها الله وسمّاها باسم صفته، وجعلها بكيفية تُناسب ذواتنا التي هي أجسام مركبة، أما صفات الله فهي على صفة تليق بذاته عز وجل، لا علم لنا بكيفيتها. وقد جعل الله لنا بعض الصفات التي توافق صفاته في الاسم لأجل الفهم فقط، وذلك حتى نعرف الله عز وجل -من غير إحاطة به-، ولنعظمه ونعبده حق عبادته.

قال الإمام عبد العزيز الماجِشُون (ت. 164 هـ / من تابعي التابعين) في رسالته: «فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمُّقا وتكلفًا، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمَّى من نفسه، بأن قال: لا بُد إن كان له كذا مِن أن يكون له كذا، فعمِيَ عن البّيِّن بالخفي، فجحد ما سمَّى الرب من نفسه...» ثم تكلم عن آيات وأحاديث رؤية الله يوم القيامة، وذكر مجموعة من نصوص الصفات كقوله تعالى { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]، وحديث ”لَا تَمْتَلِئُ النَّارُ حَتَّى يَضَعَ الْجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ“ وقوله سبحانه: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر : 67]، ثم قال: « فوالله ما دلَّهم على عظم ما وصف به نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم – إنّ ذلك الذي أُلقِيَ في رُوعهم (3)، وخلق على معرفته قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسمّاه على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه علم ما سواه، لا هذا، ولا هذا، ولا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف.» (4)

وعن شقيق بن سلمة أن شريحًا قرأ: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات : 12]؛ قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم (النخعي / ت. 196 هـ) فقال: «إن شريحا كان يعجبه رأيه، إن عبد الله (بن مسعود) كان أعلم من شريح ، وكان عبد الله يقرؤها {بل عجبتُ} (بضم التاء) » ا.هـ(5). أي أن الذي يعجب هو الله عز وجل.
قال أبو جعفر النحَّاس (ت. 338 هـ) : «وهذا الذي قاله - أي شريح- لا يلزم، وبضم التاء قرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس ... فالله جل وعز العالم بالأشياء، وبما يكون، ولكن لا يقع التعجب إلا بعد الكون. فهو منه جل وعلا خلافُه من الآدميين؛ لأنه قد علمه قبلُ وبعدُ»(6).
والصحيح أنه قد يقع التعجب من المخلوقين حتى حال علمهم بالشيء، فمثلا: نحن نعلم أن عظمة الله عز وجل ليس لها حدود، ولكن مع ذلك نحن نتعجب كلما نظرنا إلى السماء والنجوم وعجائب خلق الله عز وجل.



4. الاعتراض على بعض الصفات الواردة في الكتاب والسنة على أنها جارحة وأعضاء، كصفة اليد والقَدم، لم يكن معروفا في عهد السلف رحمهم الله إلا عند أهل البدع كالجهمية وغيرهم، أما السلف الصالح فكانوا يؤمنون بها كما جاءت، ويقولون عن كل الصفات: «أمروها كما جاءت بلا كيف»، أي أمروها على ظاهرها دون السؤال عن تلك الصفة: كيف هي؟ بل يفوضون كيفيتها لله عز وجل. وكون اليد عضو وجارحة هو من كيفية صفات المخلوقين، والله ليس كمثله شيء، ويد الله عز وجل على كيفية لا تشبه كيفية صفات المخلوقين، وهي من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو سبحانه، وواجبنا الإيمان والتسليم

صح عن الصحابي عبد الله بن عباس (ت. 68 هـ) –رضي الله عنهما- أنه أنكر على من استنكر شيئا من نصوص الصفات بزعم أن الله منزه عما تدل عليه تلك الآيات أو الأحاديث؛ فروى عبد الرزاق في "مصنفه" ... أن طاووس بن كيسان قال: سمعت رجلاً يُحدث ابن عباس بحديث أبي هريرة : ”تحاجت الجنة والنار“، وفيه: ”فلا تمتلي حتى يضع رجله“ -أو قال: ” قدمه - فيها“؛ فقام رجل فانتفض، فقال ابن عباس –رضي الله عنه- : « ما فَرَقُ هؤلاء؟! يجدون عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه ». (7)

قال الحافظ عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) في رده على بِشر المريسي المعتزلي:
«فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم (أي أصحاب الحديث) أنهم ثبتوا له سمعا وبصرًا، فقد صدقت. وأما دعواك عليهم أنه كعينٍ وكسمعٍ فإنه كذب ادعيت عليهم؛ لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة. وأما دعواك أنهم يقولون: "جارح مركب" فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول –صلى الله عليه وسلم-، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة: جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين: وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع»(8).



5. لا دليل من القرآن، أو السنة، أو أثر عن أحد من السلف على أن نصوص الصفات ليست على ظاهرها، ولا أن الصفات على المجاز وليس الحقيقة، ولا أن إثبات الصفات على الحقيقة تشبيه، بل إن الجهمية كانوا ينفون ويؤولون الصفات لاعتقادهم أن إثباتها على الحقيقة تشبيه فسمَّاههم السلف: معطلة. أما قوله تعالى {ليس كمثله شيء}، فقد قال الحافظ عثمان الدارمي رحمه الله: «ونحن نقول كما قال ابن عباس: ليس لله مثل ولا شبه، ولا كمثله شيء، ولا كصفاته صفة، فقولنا: {ليس كمثله شيء} أنه شيء أعظم الأشياء، وخالق الأشياء، وأحسن الأشياء، نور السموات والأرض. وقول الجهمية: {ليس كمثله شيء} يعنون أنه لا شيء ... واتخذوا قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} دِلْسَةً على الجهال ليروجوا عليهم بها الضلال، كلمةُ حق يبتغى بها باطل. ولئن كان السفهاء في غلط من مذاهبهم، إن الفقهاء منهم على يقين»(9).



6. لو كان اعتقاد ظاهر النصوص تشبيهًا لحذر منه السلف الصالح، لأن الأصل في الكلام أن يكون على ظاهره، والناس يأخذون بظاهر الكلام ما لم يرد دليل على أن الظاهر غير مُراد.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت. 795 هـ) رحمه الله: «وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه، وتجسيم، وضلال، واشتقّوا من ذلك -لمن آمن بما أنزل الله على رسوله- أسماء ما أنزلَ اللهُ بها من سلطان؛ بل هي افتراءٌ على الله، يُنفّرون بها عن الإيمان بالله ورسوله. وزعموا أنّ ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز، وأنه يُحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدحِ في الشريعة المحكمةِ المُطهّرةِ، وهو من جِنس حَمْل الباطنية نصوصَ الإخبار عن الغُيوبِ؛ كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملِهم نصوص الامر والنهي عن مثل ذلك، وهذا كله مروق عن دين الإسلام.
ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام، وحذّروا عنه، إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيينُ ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمامِ نصيحةِ المسلمين ، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالاحكام العملية ويَدَعون نصيحتَهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات، هذا من أبطل الباطل)(10).



7. التشبيه يكون في الكيفية، وليس في إثبات الصفة التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله -صلى الله عليه وسلم- دون الخوض في كيفيتها؛ قال ابن عبد البر المالكي (ت. 463 هـ) : (ومحال أن يكون من قال عن الله ما هو في كتابه منصوص مشبها إذا لم يكيف شيئا وأقر أنه ليس كمثله شيء). (11)
وقال ابن خزيمة (ت. 311هـ) رحمه الله، مُبيِّنًا أن إثبات الصفة على الحقيقة ليس بتشبيه:
«وزعمت الجهمية -عليهم لعائن الله- أن أهل السنة ومتبعي الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم، المثبتين لله عز وجل من صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله المثبت بين الدفتين، وعلى لسان نبيه المصطفى بنقل العدل عن العدل موصولا إليه، مشبهة جهلا منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا، وقلة معرفتهم بلغة العرب الذين بلغتهم خوطبنا.
وقد ذكرنا من الكتاب والسنة في ذكر وجه ربنا بما فيه الغنية والكفاية. ونزيده شرحًا فاسمعوا الآن أيها العقلاء: ما نذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب، هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار ومتبعي السنن؟
نحن نقول وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: أن لمعبودنا عز وجل وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذوّاه (12) بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك.
ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية.
ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقيا، فنفى عنه الهلاك والفناء.
ونقول: إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء التي وصف الله بها وجهه. تدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها لنفي السبحات عنها التي بيّنها نبينا المصطفى لوجه خالقنا.
ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة، لم تكن فكوّنها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعد ما كانت عَدَمًا، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعا ميتًا، ثم تصير رميمًا، ثم ينشئها الله بعد ما قد صارت رميما، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقها في القيامة ومن المحاسبة بما قدمت يداه، وكسبه في الدنيا، ما لا يعلم صفته غير الخالق البارئ. ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها، أو إلى النار معذبة فيها، فهل يخطر -يا ذوى الحجا- ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه ؟
وهل ها هنا -أيها العقلاء- تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذى هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم كما سمّى الله وجهه وجها ؟
ولو كان تشبيها من علمائنا لكان كل قائل: أن لبني آدم وجها، وللخنازير، والقردة، والكلاب، والسباع، والحمير، والبغال، والحيات، والعقارب، وجوهًا قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت. ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه، لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يشبه وجه الخنزير، والقرد، والدب، والكلب، والحمار، والبغل، ونحو هذا، إلا غضب، لأنه خرج من سوء الأدب في الفحش في المنطق من الشتم للمشبه وجهه بوجه ما ذكرنا، ولعله بعد يقذفه ويقذف أبويه.
ولست أحسب أن عاقلا يسمع هذا القائل المشبه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا إلا ويرميه بالكذب، والزور، والبهت، أو بِالعَتَهِ، والخبل، أو يحكم عليه بزوال العقل، ورفع القلم، لتشبيه وجه ابن آدم بوجوه ما ذكرنا. فتفكروا يا ذوى الألباب: أوجوه ما ذكرنا أقرب شبها بوجوه بني آدم أو وجه خالقنا بوجوه بني آدم ؟
فإذا لم تطلق العرب تشبيه وجوه بني آدم بوجوه ما ذكرنا من السباع، واسم الوجه قد يقع على جميع وجوهها كما يقع اسم الوجه على وجوه بني آدم، فكيف يلزم أن يقال لنا: أنتم مشبهة؟
ووجوه بني آدم ووجوه ما ذكرنا من السباع والبهائم محدثة، كلها مخلوقة، قد قضى الله فناءها وهلاكها، وقد كانت عَدَمًا فكوّنها الله وخلقها وأحدثها. وجميع ما ذكرناه من السباع والبهائم لوجوهها أبصار، وخدود، وجباه، وأنوف، وألسنة، وأفواه، وأسنان، وشفاه؛ ولا يقول مركب فيه العقل لأحد من بني آدم: وجهك شبيه بوجه الخنزير، ولا عينك شبيهة بعين قرد، ولا فمك فم دب، ولا شفتاك كشفتي كلب، ولا خدك خد ذئب، إلا على المشاتمة كما يرمي الرامي الإنسان بما ليس فيه.
فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا، ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار، القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم، بالتشبيه، فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج من لسان العرب»
(13).

للمزيد يُرجى مراجعة مقال: «ما هو التشبيه في صفات الله ؟» :
http://as-salaf.com/article.php?aid=82


مواضيع ذات صلة:
هل صفات الله حقيقية أم غير حقيقية ؟




(1) الحجة في بيان المحجة لاسماعيل الأصبهاني (ج2 ص186)
(2) من أدلة صفة اليد لله عز وجل قوله تعالى { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } [ص : 75]
(3) رُوع القلب: ذِهنُه وخَلَدُه. يُقال: رجع إليه رُوعُه ورُواعُه إذا ذهب قلبه ثم تاب إليه. (كتاب العين للخليل الفراهيدي 2/242)
(4) نقله ابن تيمية في تلبيس الجهمية (ج2 ص167-168)، وفي رسالته العرشية (ج1 ص20)؛ ورواه ابن بطة في الإبانة بسنده إلى الماجشون؛ وروى اللالكائي جزءًا من الرسالة في كتابه "شرح اعتقاد أصول أهل السنة" (ج3 ص502) من طريق ابن أبي حاتم الذي رواه بسنده إلى الماجشون في كتابه "الرد على الجهمية" .
(5) الأسماء والصفات للبيهقي (ج2 ص415)؛ وتفسير عبد الرزاق الصنعاني (ج2 ص142)؛ ومعاني القرآن للفراء (ج2 ص384)
(6) معاني القرآن للنحاس (ج6 ص16) تحقيق: محمد علي الصابوني.
(7) رواه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه بسند رواته ثقات (ج11 ص423) تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي -الطبعة الأولى - منشورات المجلس العلمي؛ ورواه أيضا في تفسيره (ج2 ص239) . ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (ج1 ص339)
(8) نقض الدارمي (ج2 ص688-689)
(9) نقض الدارمي (ج2 ص909- 910)
(10) فتح الباري لابن رجب الحنبلي (ج7 ص230-231)
(11)الاستذكار لابن عبد البر (ج2 ص528)
(12) أي وصفه بـ« ذو »
(13) كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة (ج1 ص53)



صفحات الموقع

آخر المقالات

قائمة الأقسام الرئيسية

نموذج البحث



  

حقوق الطبع والنشر محفوظة لكل مسلم 1430 ﮬ - 2009 م